محمد بن أبي بكر الرازي
7
حدائق الحقائق
مقدمة المحقق بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ما زلنا - بالرغم من أننا في عصر التفكير العلمي - في حاجة ماسة لأن ترقى أذواقنا ، وترهف مشاعرنا ، وتطمئن قلوبنا ، وتمتلئ نورا ويقينا وهداية ، تجتلى معها البصيرة فترى ما لا يراه معدمو الأبصار . ذلك أن ظروف العصر الذي نعيشه أكّدت - بما لا يدع مجالا للشك - أنها نالت من الذوق والمشاعر ، وعطلت حركة الأرواح فزادت الحجب ، وصنعت غلالات ضبابية على شفافية القلوب وطمأنينتها ، وبات الإنسان يستشعر الفقد ، وسط هذا التقدم العلمي الهائل . ومما يؤكد ذلك : أن إنسان هذا العصر امتلك من الأدوات ، والأجهزة العلمية التي تعينه وتريحه أعظم مما كان يدور بخلد أصحاب العصور السالفة بكثير جدّا ، ومع هذا بات أكثر منهم شعورا بالفقد ، وعدم الطمأنينة ، وارتفعت الأصوات تشكو ، وتلعن الزمن ، وهم صانعوه ! دون أن تهدأ هذه الأصوات . وأظن أن إنسان هذا العصر لا يهدأ ، ولن يهدأ إلا في آفاق من الروحانية تجلّله وتؤنسه ، وتهز وجدانه وتشيع عبق الطمأنينة في أرجائه ، لأنها ملأت المنبع ، وهو قلبه . حينئذ تتيقظ نفسه ، وتسمو روحه وتعرج معراجها الطبيعي كلما هفت لتنال المدد والإلهام ، فيضحى الإنسان في حالة من التيقظ الوجداني الذي يدفعه إلى جهاد نفسه ، وحركة عقله ووعيه ؛ فتشدو نفسه بالحياة الحق وتعلق بقيمها وروعتها . ونحن من خلال سلسلة ( المكتبة الصوفية ) نقدم هذا الكتاب مساهمة في أن يتعرف القارئ الكريم على الطريق الحقيقي لبلوغ هدفه الرّوحى ، بعد أن يبذل جهدا للتعلق بهذا المدد الروحي الذي يبثه الكتاب خلال أبوابه الستين ، والذي يعد كل باب منه حديقة لإحدى الحقائق ، فيكون في مجمله حدائق للحقائق التي هي معارف ربانية تكشف للنفس زيغها وبهرجها وتضع قدما ثابتة على طريق النور الروحاني . وهذا الكتاب من الكتب التي تمتلك ناصية التأليف والتصنيف بتبويبه ، وصياغته ، وحسن أداء عبارته ، ففي كل باب من الأبواب رأى المؤلف أن يجعله مقتصرا على فكرة